مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
4
شرح فصوص الحكم
للإنسان الكامل الذي يعرف اللّه حق معرفته ، فكل منهم ينطق أو ينطقه ابن عربي بالمعرفة التي اختص بها ، فيقوم بذلك بشرح ناحية من نواحي مذهبه والدفاع عنه . ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر آدم عليه السّلام فهو يمثل ويفسر معنى الخلافة في الأرض من قبل الإنسان ويبين منزلته من اللّه تعالى والعالم بأسره ، وبأي معنى استحق الإنسان الخلافة عن اللّه وصدق عليه أنّه الموجود الذي خلقه اللّه على صورته وأيضا داود وسليمان عليهما السلام يتمثل فيهما نوعان من الخلافة : أولا : الخلافة الظاهرة التي هي خلافة الملك ، ويتبعها العلم الظّاهر . ثانيا : الخلافة الباطنة التي يتبعها العلم الباطن . ومن خلال كل ذلك يعمد ابن عربي إلى تخريج المعاني التي يريدها من الآيات والأحاديث بطريقة خاصة في التأويل . فإن كان في ظاهر الآية ما يؤيد مذهبه مهما كانت دلالتها على التشبيه والتجسيم أخذ بها وإلّا صرفها إلى غير معناها الظّاهر وهو مع هذا لا يجيز تأويل المعتزلة للآيات الدّالة على التشبيه بل يتهمهم بأنّهم يحكمون العقل وحده في مسائل الإلهيات ، ويقولون بتنزيه اللّه تعالى تنزيها مطلقا . وهذا في نظره جهل مطبق فهذه نصف الحقيقة ، إذ الحقيقة الكاملة في نظره هي أن اللّه منزه مشبه معا « 1 » . ولا تخلو طريقة تأويله للآيات من تعسف وشطط أحيانا لا سيما إذا عمد إلى الحيل اللفظيّة في الوصول إلى المعاني التي يريدها ومثال ذلك قوله في الفص الأيوبي إن المراد بالشّيطان في قوله تعالى : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ [ ص : 41 ] هو البعد ، وإنّ ما شعر به أيوب عليه السلام لم يكن ألم المرض الذي ابتلاه اللّه به ، بل هو ألم الحجاب والجهل بالحقائق ، وأيضا نراه يقول في الفصّ الموسوي إنّ المراد بقول فرعون : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] لأجعلنك من المستورين لأن السين من أحرف الزّوائد فإذا حذفت من سجن بقيت « جن » ومعناها الوقاية والستر . وعماده في كل ذلك أنّه يتكلم بلسان الباطن والذي هو في الحقيقة لسان مذهبه ، ويترك لسان الظّاهر والذي هو يعبر عن عقيدة العوام .
--> ( 1 ) راجع كلامه في الفص الثاني والعشرين في تفسير قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى .